محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
77
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
الذي قدمته الأنظمة اللاهوتية عنه . نحن نريد أن نزحزحه باتجاه فهم أكثر محسوسية ، وموضوعية ، ولكن ليس اختزاليا . فبعد كل ما بيّناه سابقا ، فإنه من المهم أن نقول ما يلي : على صعيد الخطاب القرآني ، نلاحظ أن ديناميكية نزع التقديس / التقديس هي التي تتغلّب على التقسيم الكائن بين المقدّس / والدنيوي ، أو الطاهر / والنجس ، أو النجاة / والهلاك ، أو الخير / والشرّ ، أو الطيب / والفاسد . إلخ . ولكن عندما يتمّ تأميم الدين بدءا من الأمويين ، فإن هذا التقسيم سوف يصبح مكتسبا نهائيا ، مقنّنا ، مجمّدا من خلال التكرار الشعائري والتطبيق الأعظم للقانون المقدس . على مستوى سورة التوبة ، كان لا يزال ممكنا أن تنعكس جميع العلامات حتى بعد فتح الفضاء المقدّس المتمثّل بمكّة . وهذه الديناميكية المعاشة والموضّحة تماما من خلال معجم الخطاب القرآني وتركيبته النحوية وبلاغته الاسلوبية هي التي تصنع الفرق الحاسم والنهائي بين ما كنت قد دعوته بالظاهرة القرآنية والظاهرة الإسلامية « 1 » . وأقصد بذلك الفرق بين التوتر الروحي الهائل المتجه نحو مطلق محدوس أو مستشعر به ، وبين التقنين الطقسي والشرعي لخطوط التقسيم المرسومة والمفروضة من قبل الدولة الإمبراطورية أو من قبل العديد من السلطات المحلية التي تنسب نفسها جميعا إلى الرسالة الأولية أو التدشينية . على الرغم من كل ما قلته سابقا ، فإن بعضهم سوف يستمر في تقييم القرآن والإسلام انطلاقا من التحديد الحديث للكرامة الإنسانية ، وبما يتجاوز الانتماءات العرقية ، والطائفية ، والايديولوجية . لكل هؤلاء أريد أن أذكّرهم بقاعدة أساسية من قواعد المعرفة وبحقيقة لا تتغير ولا تتبدّل . تقول هذه القاعدة أو تلك الحقيقة : يمنع منعا باتا اللجوء إلى المغالطة التاريخية من أجل التلاعب بالماضي لأغراض إيديولوجية . نقول ذلك ونحن نعلم أن هذه القاعدة يمكن أن تنتهك حتى من قبل مؤرخين محترفين ، فما بالك بالتبجيليين والايديولوجيين الحركيّين ؟ مهما يكن من أمر ، فإن حقيقة الأمور مختلفة . فواقع الحال في السياقات الإسلامية المعاصرة هو استمرارية نفس الجمود الفكري ، ونفس الرفض للشخص البشري وحقوقه وكرامته . ومع ذلك ، تسمعهم يتحدثون عن حقوق الإنسان في هذه السياقات على سبيل المماحكة الإيديولوجية التي تلازم دائما كل محاولة لاقتناص السلطة أو للقفز عليها . ولكن الأكثر دقة والأكثر خصوبة هو أن نقول ما يلي : إن سورة التوبة تتيح لنا أن نتعمّق أكثر في دراسة البعد الانتربولوجي للمثلث المفهومي الذي اخترته كعنوان عريض : « عنف ، تقديس ، حقيقة » . فالحروب الدينية من طائفية ومذهبية ، و « الحروب الوطنية » أو القومية التي جرت بين الأمم الأوروبية ، وحروب التحرير الوطنية التي جرت ضد
--> ( 1 ) انظر كتابيّ ( بالفرنسية ) : قراءات في القرآن ( 1982 ) ونقد العقل الإسلامي ( 1984 ) : - 1 : M . Arkoun . op . cit ، islamique raison la de critique une - Pour 2 ؛ op . cit ، Coran du Lectures